سميح عاطف الزين

120

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عبد اللّه على ركبتيه ، ممتثلا لأمر أبيه ، وقد طأطأ رأسه إلى الأرض ، مستسلما لقضاء اللّه وقدره . . وتحين أقسى اللحظات وأشدها إيلاما ، والتي قد تدفع الإنسان إلى التردد أو العزوف عن مثل هذا العمل الجليل الذي يقدم عليه . . ولكن عبد المطلب بإيمانه القوي ، وعزيمته الصادقة ، يقوى على كل ما في نفسه من وهن وعذاب ، فيدور من وراء ولده ، ويستلّ سكينه ، وهو يهمّ بأن يهوي بها على رقبة ابنه ، لولا أنّ صوتا جهوريا ، تكاد تهتز منه جنبات البوادي ، قد صرخ في الناس لكي ينتبهوا من غفلتهم ، ويحولوا بين عبد المطلب وابنه ، فلا يطاله بالذبح . وكأنما كانت تلك الصرخة ، وقد استقرت في الآذان ، بمثابة النذير الذي أعاد الناس إلى دنيا اليقظة ، فإذا بالجموع تتحرك مندفعة نحو عبد اللّه وتتحلق من حوله وهي تصرخ : لا ، لا ، للذبح ! . نعم ، نعم ، للحياة ! . ومن بين ذلك الحشد الغاضب ، الذي تبدل ، بين لحظة وأخرى ، من محتفل بالذبح إلى ثائر ضد التضحية بالأبناء ، انبرى أحد بني مخزوم ، وهو عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم بن يقظة ليقف أمام عبد المطلب ، وجها لوجه وهو يقول له : إيه يا سيد قريش ، أو ما تدري ما أنت فاعله ؟ فقال عبد المطلب بصوت خافت : نعم واللّه يا أخي ، وما غيري بأدرى مني بما أصنع . قال الرجل : لا يا سيد قريش ، فإنك لا تعلم عاقبة ما تقدم عليه . قال عبد المطلب : وكيف أيها الرجل وأنا أفعل ما أفعل وفاء بنذري الذي عاهدت اللّه عليه ! .